حكاية الاسم
من أين جاءت التسمية المحلية؟
«الپروة» ليست من الأسماء التي وثّقها لمين سواق (Souag) في دراسته للهجة دلس سنة 2005، فهو لم يعرض لأجزاء القارب، ولا وقفنا لها على ذكر في معجم مطبوع. غير أنّ أصلها الرومانيّ لا يكاد يخفى.
الكلمة من ألسنة غرب المتوسط، وكلّها ترجع إلى اللاتينية prora، وأصلها اليونانية prōira. وأقرب صورها إلى لفظنا اثنتان: الإيطالية (والصقلية) prua، والإسبانية والكاتالانية proa. وكلتاهما من مقطعين تنتهيان بالألف، وكلتاهما إذا جرت على اللسان العربي انحلّ ما بين حركتيها بواوٍ مشدّدة فصارت «پْرُوّة». وفي الپاء نفسها دلالة: فالعربية الفصحى لا تعرف هذا الحرف، وكان الأولى أن يُردّ باءً. لكنّ دلس حفظته هنا كما حفظته في «پاپاص» — وهذا شأن الألفاظ التي تدخل من أفواه البحّارة رأسا، لا من الكتب.
على أنّ النطق الدلسيّ يُخرج من الحساب مرشّحا كان هو الأقرب إلى الظنّ: الفرنسية proue. فهذه تُنطق بمقطع واحد ينتهي بضمّة، لا ألف بعدها ولا واو مشدّدة، فلا سبيل أن تصير «پْرُوّة». وهذه فائدة ليست بالهيّنة: فأكثر ما دخل لهجات السواحل الجزائرية في القرن الأخير إنما دخل من الفرنسية، و«الپروة» ليست منه. فهي من الطبقة الأقدم، طبقة بحّارة المتوسط قبل الاستعمار، وهو بعينه ما نبّه إليه سواق في أسماء الأسماك.
أمّا الترجيح بين prua الإيطالية وproa الإسبانية الكاتالانية فلا نستطيعه. والذي يمنعنا منه أنّ الدارجة المغاربية كثيرا ما تردّ صوت o الأوروبيّ ضمّةً خالصة، كما في «طوموبيل» من automobile، فتؤول proa هي أيضا إلى «پْرُوّة». فالنطق يشهد على الأصل ولا يعيّن اللسان. ومما يُذكر في هذا الباب أنّ المالطية، وهي لسان ساميّ منحدر من العربية الصقلية، أخذت الكلمة عن الإيطالية فصارت عندها pruwa: الپاء محفوظة، والواو تفكّ التقاء الحركتين. وهو تصرّف اللسان السامي نفسه في الكلمة نفسها، وليس دليلا على أنّ دلس أخذتها عن مالطة.
وطرفا القارب الواحد في دلس يحملان اسمين من عالمين مختلفين: «الپروة» في المقدَّم رومانية من ألسنة غرب المتوسط، و«القتش» في المؤخّرة تركيّ على الأرجح. مركب واحد، وطبقتان من طبقات لسان البحر: طبقة بحّارة المتوسط اللاتين، وطبقة العهد العثماني. وهذا في ذاته خير ما يقال عن مفردات دلس.
(الأصل الرومانيّ الغربيّ ثابت، واستبعاد الفرنسية مبنيّ على النطق. وما لا نستطيع الجزم به هو اللسان بعينه: الإيطالية أم الإسبانية الكاتالانية. ولا الطريق الذي جاءت منه: بحّارة رأسا، أم «السابير» (Le sabir) لسانُ موانئ المتوسط. ولم نقف على نصّ قديم يثبت الكلمة في دلس. فمن كان عنده علم من أهل دلس وأهل اللغة فليوافنا به.)
