المدينة، لهجتها، ومحيطها اللغوي


دلس مدينة ساحلية تقع على الساحل الجزائري بين الجزائر العاصمة وبجاية، على بُعد بضعة كيلومترات شرق واد سباو. تمتدّ المدينة على السفوح الشرقية لجبل أصواف الصغير حتى حافة البحر.
أمّا السهل الساحلي الصغير على السفوح الشمالية للجبل فيُعرف باسم لاجنا (رسميًا: البساتين)، وقد كان تقليديًا المنطقة الزراعية للمدينة، ولكنّه أصبح اليوم امتدادًا سكنيًا لها.
وهذه المدينة أقدم بكثير ممّا يبدو: أسّسها الفينيقيون، ثم أُعيد تأسيسها في نحو القرن الحادي عشر. ومثل مدن مغربية أخرى من العصور الوسطى، يبدو أنّها تعرّبت في وقت مبكّر، ومستقلّةً عن محيطها الريفي.
لماذا هذه الأسماء بالذات تستحقّ أن تُكتب
حظيت لهجة دلس بإهمال كبير في الدراسات اللغوية لشمال إفريقيا، رغم عراقة المدينة وموقعها الجغرافي الذي تتداخل فيه العربية والقبائلية، وتنتمي إلى مجموعة اللهجات الحضرية في شمال وسط الجزائر، التي هي مجموعة قليلة التوثيق.
استقرّت العربية في دلس قبل وصول القبائل الهلالية، فحافظت اللهجة على ملامح قديمة اختفت من لهجات كثيرة حولها.
يحمل معجم اللهجة آثارًا بربرية وأندلسية، ثم آثارًا بدوية جاءت لاحقًا، وتظهر أحيانًا حتى في قواعدها.
احتفظت دلس على نطاق واسع بمفردات الصيد والكائنات البحرية السابقة للاستعمار، وقد حلّت محلّها في مدن أخرى بالمنطقة كلماتٌ فرنسية دخيلة.
وبعض هذه المصطلحات لا يكاد يوجد موثّقًا خارج المدينة. وهذا من أسباب وجود هذا الموقع: أن نكتب هذه الأسماء ونحفظها ما دام هناك من يتذكّرها.
دلس، بني ثور، وعفير — خريطة المنطقة
لدلس موقع جغرافي تتداخل فيه العربية والقبائلية، الحيز الجغرافي لتواجد اللغتين لم يتغيّر كثيرًا منذ سنة 1913. وتوضّح الخريطة أدناه الوضع: واد سباو على اليسار، وواد أوباي على اليمين.
خريطة تخطيطية أُعيد رسمها لهذا الموقع اعتمادًا على خريطة استعملتها البلدية المحلية. المواقع تقريبية، والغرض منها التوضيح لا القياس.
بني ثور. تحيط بدلس قرى صغيرة تمتدّ بين واد سباو غربًا وواد أوباي شرقًا. والقرى الأقرب، مثل تاڤدامت عند مصبّ واد سباو، وبومداس على المنحدرات جنوب المدينة، وتندمج شيئًا فشيئًا في ضواحيها.
ويقول من سُئلوا من أهل المنطقة إنّ كلام هذه القرى يختلف عن كلام المدينة: فيه ملامح بدوية واضحة، مثل نطق القاف ڤ، أو استعمال «الڤا» بدل «صاب» بمعنى «وجد». وقد جلبت الهجرة من هذه القرى عددًا من أهلها إلى دلس نفسها، خاصّة منذ الاستقلال.
عفير. وشرق واد أوباي تبدأ بلدية عفير الناطقة بالقبائلية (وكانت منطقتها تُسمّى سابقًا بني سليم)، وهي أيضًا قرى صغيرة. ولهجتها تشبه إلى حدّ كبير اللهجات الجنوبية المعروفة في منطقة القبائل الكبرى.
والحدّ ليس خطًّا حادًّا. فالزاوية، الواقعة شرق الوادي بقليل على الساحل، تُستعمل فيها العربية على نطاق واسع؛ بينما تحوّلت قريتا شڤّة ومشاشكة، وهما في بني ثور لكن قرب واد أوباي، إلى القبائلية كليًّا أو جزئيًّا. أمّا شاينا المجاورة فيُقال إنّ أهلها يتكلّمون عربية مطعّمة بكلمات قبائلية، حتى صار جيرانهم يضربون بها المثل فيقولون: «تعرّبت نشينا» للدلالة على العربية الركيكة. وفي دلس نفسها أقلية قبائلية معتبرة، لكنّ العائلات القبائلية تميل بقوّة إلى التحوّل إلى العربية في محيط المدينة الناطق بها.
وأسماء الأماكن تحكي بقيّة القصة. فهي بربرية بكثرة في الجنوب الشرقي (أزرو، تيزغوين…) وفي الشمال حول دلس نفسها (دلس، تاڤدامت، أصواف…). ولعلّ العربية دخلت الريف من الغرب، من ناحية أولاد خداش، ثم انتشرت، على الأرجح خلال العهد العثماني. وتقول الرواية الشفوية المحلية إنّ بعض عائلات بني ثور، ومنهم مؤسّسو أولاد خداش، جاؤوا في الأصل من ناحية المسيلة.
هذا الموقع مفتوح لمن يريد تصحيح أو تحسين المعلومات المنشورة أو إضافة معلومات إضافية، مثلا اقتراح أسماء الأسماك، الحيوانات البحرية، الأدوات والتقنيات التي لم ترد في الموقع. شكرا مسبقا على مساهماتكم.