حكاية الاسم
من أين جاء اسم «پاپاص»؟
«پاپاص» ليس عربيّا في ظاهره ولا أمازيغيّا: لا جذر في العربية يُحمل عليه، ولا نظير له في أسماء الحيوان عندنا. وبنيتُه نفسها تدلّ على الدخول — فيه حرف P الذي لا تعرفه العربية، وآخره صاد مفخّمة، وهي الحرف الذي تردّ به الدارجة السين الأخيرة في الألفاظ المأخوذة من اللغات اللاتينية، كما في «قاروص» (bar). فأرجح ما يُفسَّر به أنّه من طبقة الألفاظ التي دخلت لسان صيّادينا من لغات المتوسط، شأن «ڤرنڤ» و«چارنية» و«تشوتشو» و«كبالة».
ودلس، بمرساها القديم، كانت من مواضع الاختلاط الشديد بين بحّارة المتوسط. فقد نزلها ولازم سواحلَها صيّادون من الماهون ومن إسبانيا ومن إيطاليا، وكان بينهم وبين أهل البلد لسانٌ وسط يُعرف بـ«السابير» (اللنجوا فرنكا)، خليطٌ من العربية والألسنة اللاتينية، تُتخاطب به الموانئ من طنجة إلى الإسكندرية. ومن هذا الباب — لا من غيره في الأرجح — دخل هذا الاسم.
وأقرب ما يُشبه لفظَنا في تلك الألسنة كلمة παπάς (papás) في الإغريقية، ومعناها «القسّ». وقد انتقلت من الإغريقية إلى التركية العثمانية في صورة papaz بالمعنى نفسه، فكانت متداولة في موانئ المتوسط كلّها في العهد العثمانيّ — وهو العهد الذي كانت فيه دلس تحت الحكم التركيّ. والمعنى يوافق ما تراه العين: هذا الحيوان يقضي نهاره ساكنا في ظلمة الكهف، منطويا على نفسه لا يبرح، وقرناه العريضان المفلطحان يوحيان بهيئة متجهّمة، أشبهُ بثوب راهب أو بوقفة متعبّد.
وممّا يشدّ هذه الفرضية أنّ تسمية هذا الصنف من القشريات بأسماء رجال الدين والقدّيسين معروفةٌ عند بحّارة المتوسط المسيحيين، ليست بدعا. بل إنّ الزيز الصغير بعينه — وهو الذي يُطلق عليه اسم «پاپاص» في دلس قبل غيره — يُسمّى في الإسبانية والجليقية santiaguiño، أي «سُنيّ سانتياغو»، نسبةً إلى حجّاج سانتياغو دي كومبوستيلا، لأنّ ما على ظهره يُشبه عندهم صليبا. فالحيوان نفسه سُمّي في لسانين مختلفين باسمين من باب واحد: باب الكنيسة. ويُذكر للزيز الكبير في الإسبانية اسم toribio، وهو أيضا اسم قدّيس.
والذي يمكن أن يُقال بلا تزيّد: أنّ «پاپاص» اسم محلّيّ خالص، من كلام صيّادي دلس ومن حولها من الساحل الأوسط، لا يكاد يُعرف في غير هذه الجهة. وقد سجّله لمين سواق (Souag) في «ملاحظات على لهجة دلس» (2005) في جرد لافقاريات البحر، بصيغة pạppaṣ، إلى جانب «موجنيب» و«قمرون» و«لڤي» و«قرنيط» — غير أنّه اكتفى بتسجيله وفسّره بـ«cigale de mer» ولم يعرض لأصله بشيء. ولافتٌ أنّ ترجمته الفرنسية غامضة غموض الاسم المحلّيّ نفسه: فهي تصدق على النوعين معا، تماما كما يفعل أهل دلس.
أمّا ما وراء ذلك فحدسٌ لا خبر: نرجّح أن يكون الاسم دخيلا من «السابير»، ونرجّح أن تكون صلته بـ«القسّ» — ولا نملك على واحدة منهما دليلا قاطعا.
تنبيهات لازمة. الأولى: لا يُسمّي اليونانيون هذا الحيوان «papás» — اسمه عندهم κολοχτύπα. فالفرضية تقوم على معنى الكلمة الإغريقية وحدها، لا على أنّ الاسم انتقل من اليونانية إلى دلس مباشرة. والثانية: لم نقف على صيغة وسطى موثّقة — لا في السابير ولا في الكتلانية ولا في الإسبانية ولا في الإيطالية — تُسمّي هذا الحيوان باسم القسّ، فالطريق بين الكلمة والحيوان غير موصول بشاهد؛ وغايةُ ما عندنا أنّ التسمية بأسماء رجال الدين مسلكٌ معروف في هذه القشريات (santiaguiño و toribio). والثالثة: سواق سجّل الكلمة ولم يشتقّها، ولم نجد من صرّح باشتقاقها من أهل اللغة. ويبقى احتمالٌ قائم أن يكون للكلمة أصل آخر لم نهتد إليه. نرحّب بما يعرفه أهل دلس وأهل اللغة.


