حكاية الاسم
من أين جاء اسم «لڤي»؟
«لڤي» من أقلّ أسماء البحر في دلس شبها بالعربية، ولا هو من الإسپانية ولا الإيطالية ولا الفرنسية التي أخذت عنها دلس كثيرا من أسماء سمكها. وقد أعيا أصلُه لمين سواق (Souag) زمنا — يقول في «ملاحظات على لهجة دلس» (2005) إنّ اشتقاق هذه الكلمة الدلسية حيّره طويلا — إلى أن دلّه عليه اللغويّ سالم شاكر سنة 2004: الكلمة أمازيغية، وأصلها في القبائلية ilegg°i.
والعجيب أنّ ilegg°i في الأمازيغية ليست اسما لحيوان بحريّ أصلا، وإنّما هي اسم نبتة برّية: شجيرة من شجر الجبل، كثيفة الأغصان دقيقتُها، زهرها أصفر، هي عند أهل النبات Cytisus villosus. وتُسمّى بالفرنسية cytise velu و genêt velu — والاسمان لنبتة واحدة لا لنبتتين. كذلك سجّلها الأب دالي (Dallet) في معجمه القبائليّ سنة 1982.
الكلمة لها أخوات في الأمازيغية من الساحل إلى الصحراء، وكلّها في هذه الشجيرة أو ما قاربها — وهذا ما يقطع بأنّ الأصل أمازيغيّ وأنّ الدارجة هي الآخذة لا المُعطية. بل إنّ الاسم حيّ إلى اليوم في أطلس البليدة: «ثالوڨّيث» (ṯaluggiṯ)، ومفردُها aluggi، يُطلق على هذه الشجيرة بعينها.
فالنقلة إذن من نبتة في البرّ إلى حيوان في البحر. ويسمّيها سواق نقلةً طبيعية «من نبتة شائكة إلى حيوان شائك»، على أنّ في ذلك ما يُستدرَك: فشجرة الـ Cytisus نفسها لا شوك فيها، وإنّما الشوك في قريبتها الوزال (genêt épineux)، والاسم في أمازيغية الأطلس يجمع بينهما. ولعلّ وجه الشبه في الهيئة قبل الشوك: شجيرةٌ مكوّرة يتشعّب منها في كلّ جهة غصنٌ دقيق، وتلك صورة القنفذ بعينها.
وهذا بابٌ معروف في تسمية أحياء البحر، غير أنّ اللغات من حولنا شبّهته كلّها بحيوان البرّ: «قنفذ البحر» في العربية الفصحى، و oursin في الفرنسية من ericius اللاتينية أي القنفذ، و sea urchin في الإنجليزية و urchin اسمٌ قديم للقنفذ كذلك. أمّا صاحب هذا الاسم فلم ينظر إليه بعين من يعرف دوابّ البرّ، وإنّما بعين من يعرف شجر الجبل.
ثمّ أخذت الدارجة الكلمة عن الأمازيغية فأسقطت حرف العلّة الذي يتصدّر الاسم في القبائلية: ilegg°i ← «لڤي» (lŭggi). وأمّا كتابتها بالڤاف ذات النقاط الثلاث فإملاءٌ لا اشتقاق: الصوت g لا حرف له في العربية.
ردُّ «لڤي» إلى الأمازيغية ليس من استنباطنا: سجّله سواق في بحثه، ونسب أوّل من اهتدى إليه إلى سالم شاكر (مراسلة خاصة، 2004)، وأسنده بشواهد من معاجم الأمازيغية المذكورة أعلاه. وقد وقع في وصف النبتة بعضُ الاضطراب في المصادر: يترجمها دالي بـ«cytise»، ويترجم غيرُه نظائرَها في لهجات أخرى بـ«genêt»، وهو ما يشمل نبتا شائكا وغير شائك؛ والمتّفق عليه أنّها من شجيرات الفصيلة القرنية ذات الزهر الأصفر. ويبقى سؤال لم يُحسم: أانتقل الاسم من النبتة إلى الحيوان في الأمازيغية نفسها قبل أن تأخذه الدارجة، أم أخذت الدارجة اسم النبتة فأطلقته على الحيوان؟ لا نعلم. وقد تُقرأ اليوم في بعض ما يُتداول تفاسيرُ أخرى تردّ الكلمة إلى اللاتينية alica أو إلى جذر أمازيغيّ بمعنى «الأملس اللزج» تشبيها بما في جوف القنفذ — ولا سند لواحد منها في مرجع، ولا تقوم أمام ما سجّله سواق. وأمّا اسما النوعين فقد سجّلهما سواق كذلك. ويُسمع في دلس لهذا اللڤي الكحل اسمٌ آخر، مبنيّ على اسم طائفة من الناس: «يهودية» — أثبته سواق في بحثه كما سمعه، ونثبته نحن مرّة واحدة هنا لأنّ شأن هذا الموقع أن يسجّل ما يقوله أهل دلس تسجيلا أمينا، لا لأنّنا نتبنّاه؛ ولا نعرف له سببا ولا نتقوّل فيه، وليس في إيراده حكمٌ على أحد ولا قصدُ إساءة إلى أحد. نرحّب بما يعرفه أهل دلس وأهل اللغة.




