طماس
«فوندو طماس» : كيف يسمّي بحّارة دلس القاع البعيد الذي لا تبلغه العين.
يقول بحّارة دلس عن القاع البعيد الذي لا تبلغه العين إنه «الطماس»، ويُنطق في ألسنتهم tmās. وأكثر ما يُسمع اللفظ في تركيب «فوندو طماس»: القاع الذي انقطع دونه الضوء، فلا يُرى رملُه ولا صخرُه، وينزل فيه الخيط حتى ينقطع خبرُه. ويقال عن السمكة أو السرطان إنه «من الطماس»، أي من ذلك العمق الذي لا يُبصَر.
والجذر (ط‑م‑س) في العربية ثابتُ المعنى بيّنُه: «طَمَسَ الشيءَ» محاه وأذهب أثره حتى لا يبقى منه ما يُعرف به، و«الطامس» ما دَرَسَ وعفا رسمُه. وهو معنى مسجّل في أمّهات المعاجم، وارد في التنزيل بمعنى المحو والإذهاب. فليس في أصل الكلمة العربية إشكال.
وإنّما الإشكال في الخطوة الثانية: كيف صار المحوُ اسما للعمق؟ والوجه القريب أن يكون «الطماس» عندهم مكانَ الانطماس لا الشيءَ المنطمس أي القاع الذي تنطمس فيه الرؤية وتُمحى فيه المعالم. وهو انتقالٌ مأنوس في المعنى، من ذهاب الأثر إلى انقطاع النظر. ولم يوثّق أحدٌ (فيما نعلم) هذه الخطوة في مصدرٍ مطبوع. غير أنّ لها من كلام أهل دلس أنفسهم ما يشدّها.
فالجذر حيٌّ عندهم خارج البحر أيضا: يقولون للرجل الذي لا يستجيب لشيء، ولا ينتبه لما حوله، ولا يفقه أبسط ما يُقال له: «طمس». إنسانٌ انطمست عنده الإشارة، فلا يَرِد عليه شيء ولا يصدر عنه. وهذا استعمالٌ لا صلة له بالبحر ولا بالصيد، وهو لذلك أنفعُ ما يُستدلّ به: فالكلمة ليست لفظا بحريا غريبا وحده، بل الجذر عاملٌ في اللهجة نفسها بمعنى الانطفاء وذهاب الأثر. فإذا كان الرجل «طمسا» لأنّ الإدراك انطمس فيه، فليس ببعيدٍ أن يكون القاع «طماسا» لأنّ النظر ينطمس فيه.
وأمّا «فوندو» فأصلها بيّن: fondo بالإيطالية والإسبانية، ومعناها «القاع». وهي من ألفاظ لسان البحر المشترك الذي تخاطب به بحّارة المتوسط قرونا. فيجتمع في التركيب الواحد لفظان من ضفّتين: روميٌّ يسمّي القاع، وعربيٌّ يصف حاله. وهذا بعينه ما يتكرّر في أسماء دلس البحرية: طبقةٌ أوروبية على أساسٍ عربيّ، لا تُلغي إحداهما الأخرى.
على أنّ «طمس» في دلس اسمٌ لسمكةٍ كذلك وهو الذي أورده لمين سواق في دراسته للهجة دلس (2005) ضمن أسماء الأسماك التي لم يهتدِ إلى تحديد أنواعها. وقد تبيّن أنها سمكة القمر (Mola mola)، وستُفرد لها بطاقتُها في باب الأسماك. ولعلّ اسمها من هذا الباب نفسه: فهي تُرى ساكنةً على وجه الماء مائلةً على جنبها، لا تكاد تتحرّك ولا تنفر ممّن دنا منها. «طمس» كما يقال للرجل الذي لا يستجيب. وهو وجهٌ قويّ في المناسبة، غير أنّه يبقى فرضيةً في الاشتقاق لم نقف على من ذكرها. وليُنتبه على كلّ حال: «طمس» اسمُ السمكة، و«طماس» اسمُ القاع، وإن التقيا في الجذر.
وعلى كلّ حال، ففي «فوندو طماس» صورةٌ مصغّرة من لغة بحر دلس كلّها: قاعٌ اسمُه من موانئ الجيران، ووصفُه من العربية القديمة وبينهما بحّارٌ لا يعنيه من أين جاء اللفظ، بل أين ينقطع النظر.
هل تعرف أكثر؟
إن كان عندك تصحيحٌ أو تأكيدٌ من كبار البحّارة حول هذه الألفاظ وأصولها، فشاركنا به.